|

النظرة الشرعية
:
اليتيم في ( الشرع ) : هو من فقد أباه وهو دون البلوغ,
ومما يلحق بالأيتام ، بل إن أمرهم أشد اللقطاء أو من
كان مجهول الأب أو الأم أو
كليهما
فقد يفقد الطفل أبويه لأي سبب من الأسباب ، والأسباب كثيرة فقد يتوفى الوالدان وهو
صغير وقد يفقداه في زحام الحج ، أو في حادثة حريق ، أو حادث مروري وما أكثرها في
أيامنا هذه . ولاشك أن العناية بهذه الفئة قد تكون أفضل، فاليتيم قد يجد العم أو
الخال أو الجد أو القريب، أما مجهولي الأبوين لأي سبب من الأسباب لا يجد أيا من ذلك
إلا رحمة الرحمن الرحيم وهي خير وأبقى . وتأكيدا لهذا الأمر وحتى يزول الإشكال الذي
قد يرد لدى بعض الناس ومحبي الخير صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية
والإفتاء برقم 20711 مؤرخة في 24/12/1419هـ حول هذا الأمر وجاء فيها ما نصه : ( إن
مجهولي النسب في حكم اليتيم لفقدهم لوالديهم بل هم أشد حاجة للعناية والرعاية من
معروفي النسب لعدم معرفة قريب يلجئون إليه عند الضرورة وعلى ذلك فإن من يكفل طفلا
من مجهولي النسب فانه يدخل في الأجر المترتب على كفالة اليتيم لعموم قوله صلى الله
عليه وسلم :
(( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً
)) ( رواه البخاري ) .
ثمّ صدرت فتوى أخرى لاحقة لها و بتفصيل أكبر برقم 21145 مؤرخة في 22 / 10 / 1420هـ
، وجاء في أول فقرة منها ما يلي : ( من أبوب الإحسان في شريعة الإسلام
حضانة اللقيط المجهول النسب
، والإحسان إليه في كفالته وتربيته تربية إسلامية صالحة ، وتعليمه فرائض الدين و
آداب الشرع وأحكامه ، وفي هذا أجر عظيم وثواب جزيل ، ويدخل في الأجر المترتب على
كفالة اليتيم لعموم قول النبي: ((
أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً
)) (رواه البخاري) .
فضل كفالة اليتيم
لقد اهتم الإسلام بشأن اليتيم اهتماماً بالغاً من حيث تربيته ورعايته ومعاملته
وضمان سبل العيش الكريمة له ، حتى ينشأ عضواً نافعاً في المجتمع المسلم قال تعالى :
( فَأمَّا اليَتِيم فَلاَ تَقهَر )
[ الضحى : آية 9 ] وقال تعالى (
أَرَأيتَ الّذِي يُكَذّبُ بالدّينِ * فَذَلِكَ الّذِي يَدُعُ اليتيمَ ) [ الماعون
: آية 1-2 ] ، وهاتان الآيتان تؤكدان على العناية باليتيم والشفقة عليه ، كي لا
يشعر بالنقص عن غيره من أفراد المجتمع ، فيتحطم ويصبح عضواً هادماً في المجتمع
المسلم .
ومما يؤكد على حرص التشريع الإسلامي على اليتيم والتأكيد المستمر على العناية به
وحفظه ، هو ورود كلمة اليتيم ومشتقاتها في ثلاث وعشرين آية من آيات القرآن العظيم ،
وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم ، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أقسام
رئيسة،كلها تدور حول:دفع المضار عنه، وجلب المصالح له في ماله، وفي نفسه، وفي
الحالة الزوجية، والحث على الإحسان إليه،ومراعاة الجانب النفسي لديه.
يقول تعالى : ( وَإِذ
أَخَذنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسرَائيلَ لاَ تَعبُدونَ إِلاّ اللَّهَ وبِالوالدينِ
إحسَانا وذِي القُربَى واليَتَامى والمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسنا
وأَقِيمُوا الصّلاةَ وآتوا الزّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُم إِلا قَلِيلاً مِّنكُم
وأنتُم مُعرِضُون )
[البقرة ، آية : 83 ] ، فالإحسان إلى اليتيم متعين كما هو للوالدين ولذي القربى ،
كما قال تعالى : (
أَرَأيتَ الّذِي يُكَذّبُ بالدّينِ * فَذَلِكَ الّذِي يَدُعُ اليتيمَ * ولا يحُضُّ
عَلَى طَعَامِ المِسكِينِ
) [ الماعون : 1-3 ] . وقوله تعالى :
( فَأمَّا اليَتِيم فَلاَ تَقهَر )
[الضحى : آية 9 ] . قال ابن كثير عن تفسير هذه الآية: فلا تقهر اليتيم : أي لا تذله
وتنهره وتهنه ، ولكن أحسن إليه وتلطف به ، وكن لليتيم كالأب الرحيم. ولقد كان صلى
الله عليه وسلم أرحم الناس باليتيم وأشفقهم عليه حتى قال حاثاً على ذلك : ( أنا
وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً ) .
كما أمر - عز وجل - بحفظ أموال الأيتام ، وعدم التعرض لها بسوء ، وعدَّ ذلك من
كبائر الذنوب وعظائم الأمور ، ورتب عليه أشد العقاب ، قال تعالى:( إنّ الذِينَ
يَأكُلُونَ أَمَوالَ اليَتَامى ظُلماً إنّما يَأكُلُون في بُطُونِهِم ناراً
وسَيصلَونَ سَعِيراً ) [ النساء : آية 10 ] ، كما قال تعالى :(
ولا تَقربُوا مَالَ اليَتِيمِ إلا بِالتِي هِيَ أحسَنُ حَتّى يَبلُغَ أَشُدَّهُ
وأوفُوا بِالعَهدِ إنّ العَهدَ كَانَ مَسئُولا ) [ الإسراء :
آية 34 ] . وعدَّ الرسول أكل مال اليتيم من السبع الموبقات، فعن أبي هريرة - رضي
الله عنه - عن النبي قال: (
اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن ؟، قال : الشرك بالله،
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ،
والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات
) ( رواه البخاري ). ولخطورة ذلك الأمر ، وجه صلى الله عليه وسلم من كان ضعيفاً من
الصحابة ألا يتولين مال يتيم ، فعن أبي ذر – رضي الله عنه – أن رسول الله قال :
( يا أبا ذر ، أني أراك ضعيفاً ، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على أثنين ،
ولا تولين مال يتيم )
( رواه مسلم ) .
وجـماعاً لكل ما سبق ، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكفالة اليتيم ، وضمه إلى
بيوت المسلمين ، وعدم تركه هملاً بلا راعٍ في المجتمع المسلم ، فلقد أخرج البخاري
في صحيحة أن رسول الله قال : ( أنا
وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئاً ) (متفق
عليه).
ولقد تمثل المجتمع المسلم تلك التوجيهات عملياً بدءاً من عصر الصحابة رضوان الله
عليهم حتى يومنا الحاضر، فلقد ثبت أن هناك العديد من الصحابة والصحابيات كفلوا
أيتاماً ويتيمات وضموهم إلى بيوتهم، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر : أبوبكر
الصديق ، ورافع بن خديج ، ونعيم بن هزال ، وقدامة بن مظعون ، وأبو سعيد الخدري ،
وأبو محذورة ، و أبو طلحة ، وعروة بن الزبير ، وسعد بن مالك الأنصاري، وأسعد بن
زراره ، وعائشة بنت الصديق ، وأم سليم ، وزينب بنت معاوية وعبد الله بن عمر- رضي
الله عنهم – بل أشتهر بعضهم وكان لهم فضلا كبير في الإسلام مثل
(( نـافع مولى عبد الله
بن عمر))وغيرهم
كثير وكثير جدا من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
الدين .
وتنجلي حكمة التشريع ومتانة هذا الأس الذي تقوم عليه رعاية الأيتام من خلال تأمل
هذه الآية الكريمة وربطها بالذي نحن بصدده ، قال تعالى :
( وليَخشَ الّذيِنَ لَو تَركُوا مِن خَلفِهِم ذُرّيّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيهِم
فَليَتّقُوا اللَّه وليَقُولُوا قَولاً سَدِيداً
) [ النساء:آية:9]، فجعل كافل اليتيم اليوم إنما يعمل لنفسه لو ترك ذرية ضعافاً ،
فإنه ستُعامل ذريته الضعاف بما عامل به ذرية غيره، فليعاملوا الأيتام الذين تحت
أيديهم ، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم ، فكما تُحسن إلى اليتيم اليوم
يُحسن إلى أيتامك في الغد ، وكما تدين تدان، فإن كان خيراً كان الخير بالخير
والبادئ أكرم ، وإن كان شراً كان الشر بالشر والبادئ أظلم .
ولقد وجَّه الرسول أمته إلى نفع الناس وإدخال السرور على أنفسهم وكشف كربهم ، وعدَّ
مَن يفعل ذلك بأنه أحب الناس إلى الله ، فقال :(
أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس ، وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سرور
يدخله على مسلم ، أو يكشف عنه كربه ...
) (رواه الطبراني) ،ولا شك أن من أشد الكرب اليتم وما يستتبعه من ضعف وضرر وضياع
إذا لم يتعهد ذلك اليتيم بالحفظ والرعاية..
حقوق اليتيم في الإسلام
لقد اهتم التشريع الإسلامي بأمر الأيتام ومن في حكمهم من الأطفال مجهولي النسب ،
وأحاطهم بالرعاية ، وأقر لهم من الحقوق ما يضمن لهم حياة كريمة واستقراراً نفسيا
واجتماعيا ، وسنورد بعض الحقوق التي كفلها الإسلام للأطفال بشكل عام ، وللطفل
اليتيم ومن في حكمه بشكل أخص ، ذلك أنه قد تهمل هذه الحقوق وتهضم حقوقه عند فقد
أبيه أو عدم معرفة والديه ولا يجد من يطالب له بها
.
1 ) حق الحياة :
وهذا الحق من أبرز ما كفله التشريع الإسلامي للطفل ، حيث كان وأد البنات منتشراً في
الجاهلية خشية العار ، إضافة إلى قتل الأولاد خوفاً من العيلة والفقر ، فحرم
الإسلام ذلك وشدد عليه ، قال تعالى : { ولا
تَقتُلُوا أولادَكُم خَشيَةَ إملاقٍ نحنُ نَرزُقُهُم وإيّاكُم إنّ قَتلَهُم كَانَ
خِطئاً كبيراً
} [ الإسراء : أية 31 ] ، وروى البخاري - يرحمه الله - أن رسول الله
سئل أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : ( أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، قلت : إن ذلك
لعظيم . قلت : ثمّ أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك . قلت : ثم أي .
قال : ثم أن تزاني بحليلة جارك
) ) ( رواه البخاري ) . كما أخرج البخاري أيضاً عن المغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنه
ـ أنه قال: قال النبي: ( إن
الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات،وكره لكم قيل وقال، وكثرة
السؤال، وإضاعة المال )
( رواه البخاري ) .وبهذا قرر الإسلام حقاً ثابتاً للطفل وهو حقه في الحياة ، لا يحل
انتهاكه بأي شكل من الأشكال ،
وبخاصة للطفل اليتيم أو مجهول النسب ، بل هذا الحق متقرر لمن كان مجهول النسب بشكل
أكبر .
2 ) حق النسب :
حرم الإسلام التلاعب بالأنساب، أو محاولة انتساب الطفل لغير أبيه ، ورتب على ذلك
العقاب الشديد ، فلقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (
من أدعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام )
( رواه البخاري ) . وبذلك ضمن الإسلام للطفل يتيماً كان أو غيره انتساباً لأب
والتصاقاً بفئة ينتمي إليها ، ولم يتركه هملاً مجهولاً في المجتمع .
كما قرر التشريع الإسلامي للطفل حق الانتساب ، فإن الرسول وجه باختيار الاسم
المناسب للطفل ، فدلنا على الأسماء المحببة إلى الله مثل: عبد الله وعبد الرحمن
وكذلك أسماء الأنبياء ، كما أرشدنا إلى ترك بعض الأسماء غير المناسبة مثل : يسار ،
وحزن ، وعاصية ، وبره .
3 ) حق الولاية :
وهذا الحق للأطفال، وبخاصة للأيتام ومن في حكمهم من اللقطاء مقرر من حيث:
-
ولاية الحضانة .-
-
ولاية النفس .
فولاية الحضانة
يكون الدور فيها للنساء ، وهي تربية الطفل ورعايته في الفترة التي لا يستغني فيها
الطفل عن النساء ، والنساء أحق بحضانة الطفل ، وهذا ما يتفق عليه الفقهاء ، مع
تقديم الأم في حق الحضانة لطفلها دون ما سواها من النساء متى ما توافرت فيها شروط
أهلية الحضانة ، وذلك أخذاً من الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي
الله عنهم -
أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن المرأة أحق بولدها ما لم تتزوج )
(رواه أحمد) . أما وقت الحضانة : فيكون من ولادة الطفل إلى بلوغه السن التي يستغني
فيها عن النساء ، ذلك بأن يستطيع أن يأكل ويشرب ويلبس بنفسه ، إلا أن بعض الفقهاء
قدرها بسبع سنين ، وقدرها بعضهم بتسع سنين . وإن لم يكن للطفل أحد من الأقارب
فالسلطان وليه وله الحق في إسناد رعايته إلى من يقوم بحفظه ، وإلا انتقل الواجب على
الدولة من خلال الدور الإيوائية أو المؤسسات أما ولاية النفس فالمقصود بها
التأديب والتربية ، والتوجيه ، والإرشاد بعد انتهاء فترة الحضانة ، وهذه الولاية
خاصة بالرجال دون النساء ، لما جبل الله الرجال عليه من القوة والقدرة والشدة أكثر
من النساء ، ولقد حث الله - عز وجل - الآباء على القيام بتربية أولادهم في قوله
تعالى : ( يا
أيُهَا الذِينَ آمنُوا قُوا أنفُسَكُم وأهاليكم نَاراً وقُودُهَا النَّاسُ
والحِجَارَةُ )
[ التحريم : آية : 6 ]أما الولاية على المال فتقتضي المحافظة على أموال
الطفل اليتيم بخاصة لكونه عديم التجربة في الحياة،.
4 ) حق الرحمة :
وهذا الحق يستحقه اليتيم على أساس أنه صغير لم يرشد بعد ، ففي التشريع الإسلامي
توجيهات متواصلة برحمة الصغير والعطف عليه والأخذ بيده ، فعن عبد الله بن عمرو بن
العاص أن رسول الله قال: (
من لم يرحم صغيرنا ، ويعرف حق كبيرنا فليس منا
) ( رواه البخاري ) . ولقد تعجب الرسول من الصحابي الأقرع بن حابس التميمي عندما
قال للرسول : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، وذلك عندما رأى الرسول
يقبل الحسن بن علي - رضي الله عنه - ، فقال له رسول الله : (
من لا يَرْحَم لا يُرْحم
) ( رواه البخاري ) .
من كتاب : الأسرة البديلة للدكتورة سلمى محروس سيبيه
تم عرض هذه الصفحة 426 مره/ مرات

" هذة الزاوية خاصة بذوي الظروف الخاصة ، مساحة حُرة لهم كي يُعبروا عن معاناتهم
وإحباطاتهم كما يرغبون ، وبالشكل الذي يرتاحون له : سواء كتابة ، أو تسجيل صوتي ،
أو حتى صوت وصورة . وصَّل صوتك .. هي واحتكم للمكاشفة ، والفضفة ، والحلم بغد أكثر
أماناً وتقديراً ، فلنتقاسم الألم .. والأمل معاً .
"
|