|

لا تكن جلاَّد نفسك
أهم ما ينبغي عليك إدراكه ، هو معرفة القيمة الحقيقية التي تحتلها ذاتك في نفسك،
ومدى الاعتبار والتقدير الذي تحظى به في معاملتك لها ، فهذه بداية موفقة في (اكتشاف
الذات)، على طريق التحرر من العقبات النفسية والمادية.
إن أول عقدة يشكو منها مجهول الهوية، هي إنكاره لذاته أو على الأقل، الشك فيها
وعدم الاعتراف بها، بناء على توصيفات بيئية ، وأحكام جاهزة يطلقها المجتمع من قبيل
: لقيط لا خير فيه، مجهولٌ لا نسب ولا أصل له، ابن حرام لا بركة فيه ... وأول ما
تفعله هذه الأحكام، أنها تقتل فيه المعنى الإنساني، وتدمر منه القيمة الشخصية
لذاته، وتحوله إلى متهم وهو الضحية.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:{
لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : خَبُثَتْ نَفْسِي }
البخاري. وذلك أن كل كلمة تقال ، لها رسالة موجهة إلى النفس، ولها صورة ذهنية مؤثرة
في السلوك. في هذا الحديث ملْمح تربوي ونفسي عظيم، فهو ينهى عن كل ما فيه جلْد
للذات وتحطيم للنفس والمعنويات، ولو بكلمة واحدة.
كن مدركا لقيمتك الذاتية،
ولا تكن جلاّد نفسك،
لا تقل خبثت نفسي ، ولا كلّ ما فيه إهانة للنفس التي كرمها الله عز وجل، من قبيل
أنا مجهول النسب ولا فرصة لي في الحياة، أنا ناقص لا هوية لي، أنا غير طبيعي، أنا
مكروه، أنا فاشل، أنا لا يمكن أن أكون ناجحا إلخ ... لا تقل كل ما فيه معنى الذم
واللوم وتحقير النفس، وذلك فرارا من شؤم الكلمة السيئة الموجهة إلى الذات، واحترازا
من مادتها الخبيثة، فالتعود على قول مثل هذه الألفاظ وتكرارها، يبذر في اللاشعور
ظلال الكلمة الخبيثة، ويهيئ النفس إلى التشبع بمعناها، فتصبح واقعا يصعب تغييره. عن
سعيد بن المُسيّب رضي الله عنه
{ أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيصلى الله عليه وسلم فَقَالَ : مَا
اسْمُكَ ؟ قَالَ : اسْمِي حَزْنٌ . قَالَ
صلى الله عليه وسلم : بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ . قَالَ : مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا
سَمَّانِيهِ أَبِي. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ
بَعْدُ }.
البخاري. ( الحُزونة : الصعوبة في الأخلاق ) .
ينهى الحديث بحزم بالغٍ، أصحاب ( الضمير المتورِّم )، الذين لا يتوقفون عن إهانة
أنفسهم لحظة واحدة، ولا يكفون عن توجيه اللوم والتقصير إلى ذواتهم بصفة دائمة،
معطلين مواهبهم وقدراتهم عن الانطلاق والإبداع، دون طائل.
وبعض هؤلاء الأيتام المجهولين لأحوال نفسية مرُّوا بها، ولظروف اجتماعية عايشوها،
فقدوا الثقة بأنفسهم، إلى درجة الاعتقاد أنهم غير أهلٍ للنجاح، لأنهم حاولوا ذات
مرة وفشلوا، فتوقفوا عن المحاولة. وإذا تحدثوا عن ذواتهم ، فعلى أنها مجموعة من
الشتائم والقبائح، حتى تحولت تجاربهم الشخصية الفاشلة، وقناعاتهم الفكرية الخاطئة،
في إطار العلاقات والمعاملات، إلى أغلال عاطفية قيدت حريتهم، وشلت تفكيرهم وحركتهم،
وأقعدتهم عن المشاركة والفعل الاجتماعي. وفجأة، وجدوا أنفسهم غارقين في العزلة
والانطواء، تغمرهم السلبية والخمول.
ويختلف النقد أو محاسبة النفس، عن الجلد بأنه لا يقف عند حد اتهام النفس وحسب،
وإنما يتجاوز ذلك إلى تخليصها مما علق بها من عادات سيئة، أو ممارسات مذمومة،
انطلاقا من أن الإنسان محلّ التقصير والخطأ، فكل ابن آدم خطاء، ولا يوجد إنسان خالِ
من العيوب الظاهرة أو الباطنة. فالبحث وسط هذه العيوب، عن إيجابيات، ومحاسبة النفس
على أخطائها، والاشتغال بإصلاحها، خطوات لازمة، على طريق الكمال الإنساني.
إن
نقد
الذات مطلب ضروري لتفعيل المهارات
النفسية،
وعامل قوي في سبيل تطوير القدرات
الذاتية،
وتحسين ظروف الحياة بشكل عام. وسواء
جاء
هذا النقد من الذات نفسها، أو من غيرها،
فإن
تقبله علامة على النضج العقلي، والتفكير
الإيجابي.
{ الكيِّس من دان
نفسه
{الترمذي (
الكيّس : العاقل . دان
نفسه :
حاسبها ) وهناك فرق بين نقد الذات
لإصلاحها
وبين جلد الذات الذي يؤدي إلى
إحباطها
ثم إفسادها.
فريق العمل في موقع الأيتام
*************
الابتلاء سنة الحياة
(
يا بني ! إن المصيبة ما جاءت لتهلكك ، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني !
القَدَر سبُعٌ، والسبع لا يأكل الميتة
) زاد المعاد لابن القيم .
إن الله ـ عز وجل ـ هو الموجد للأشياء ، المنفرد باختراعها على حسب ما اقتضته
الحكمة. وقد شاء سبحانه ـ عز وجل ـ ألا تخلق الحياة خالصة من الألم والمعاناة،
فجعلها دارا تكابَد فيها الصعوبات، وميدانا تقاسى فيه أصناف الشدائد، قال ـ عز وجل
ـ: [
لقد خلقنا الانسان في كبَد
] البلد. فالإنسان يتحرك بطبيعته ، داخل حقل كبير، من المكابدات والمراغمات
المختلفة ، أي في وسَطها ، لا ينفك عنها ولا تنفك عنه . وهكذا هي حال الدنيا على مر
الدهور: (
طريقٌ تعِب فيه آدم ، وناح لأجله نوح ، ورُمي في النار الخليل، وأُضْجع للذبح
إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح
السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب ... وعالج الفقر وأنواع الأذى، محمد صلى الله
عليه وسلم
) الفوائد لابن القيم .
إنه لا يوجد أحد من الناس، إلا وقد أصابه من شُواظ الدنيا ومصائبها ما أصابه، ولم
يشذَّ عن ذلك حتى الأنبياء والرسل رغم مكانتهم عند الله ـ عز وجل ـ ، وكانوا أسوة
للناس جميعا في الصبر على بلاء الدنيا: {
مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الْأَنْبِيَاءُ .ْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
الَّذِينَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
} أحمد .
وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم عاش مرارة فقد الأبوين، ووجد صلى الله عليه وسلم ألم
فقد الأبناء والأهل، وتتابعت عليه أحوال الحزن والألم من يتم وفقر. فقد مات أبوه
قبل ولادته صلى الله عليه وسلم وهو جنين لستة أشهر، وقضت أمه بعد ولادته صلى الله
عليه وسلم بخمس سنوات. ثم كفله جده الذي ما لبث أن مات ولمّا يبلغ الحلم صلى الله
عليه وسلم ...، وواصل صلى الله عليه وسلم طريق الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ غير آبه
بما يصادفه صلى الله عليه وسلم من أنواع الأذى المادي والمعنوي، كل هذا، وهو أفضل
الأنبياء عند الله ـ عز وجل ـ .
فالمؤمن معرض لكل أنواع البلاء من ألم الشوكة إلى مصيبة الموت. ومن أقسى صور البلاء
النفسي التي قد يتعرض لها الإنسان في هذه الحياة ، أن يولد وحيدا، ويوجد غريبا،
لتبدأ محنته منذ اليوم الأول من حياته، بلا صدر يأويه أو سقف يحميه. فتح عينيه حين
فتحهما، على وجوه كثيرة، ليس من بينها وجه أمه وأبيه، ذاك هو حال اليتيم مجهول
الهوية، بلاء في النفس والأهل، وخوف وفقر … [
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين]
البقرة .(
أي لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله، أو نفسه ، أو ولده ، أو أهله. ويبتلى
المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة، زيد في البلاء
) ابن كثير في التفسير .
******************
اعرفْ قدر نفسك
صحيح أنك يتيم أو مجهول النسب، لكن غير صحيح أنك فاشل عديم الفائدة، الواقع يقول :
إنك محروم من عدة أشياء مهمة، ولكن هذا لا يعني أنك غير موهوب في أشياء أخرى
مهمة.
قد تجهل هويتك، لكن لا تجهل قدر نفسك، قد تفقد نسبك، لكن لا تفقد الإحساس بقيمة
ذاتك. وإذا كان الجهل بالهوية أمر قدره الله ـ عز وجل ـ عليك، فالجهل بالذات، من
اختيارك وفعلك أنت.
حاول دائما أن تكون نفسك، واستثمر ما تقدمه لك طبيعتك، فإرادتك القوية وقرارك
الحاسم، هو ما يقرر مصيرك، وليس ظروفك. وتأكد أنه لا أحد يستطيع أن يُشعِرك بالنقص
والعجز دون موافقتك، فأنت سيد نفسك، والقرار في ذلك عائد إليك. كن متفائلا
وإيجابيا، لا تنظر فقط إلى اليوم المظلم، هناك شمس ستشرق غدا، لا تقل : لماذا أنا
وحيد أو يتيم أو مجهول النسب... ؟، ولكن قل : ماذا أستطيع أن أقدم لنفسي وأمتي أو
ما الذي أحسنه لأنال إعجاب الآخرين أو ما هي إمكانياتي لأقدم شيئا مختلفا … ؟.
ربما الوحدة امتحان إلهي ليظهر صدق إيمانك وتوكلك على الله ـ عز وجل ـ وحده، ربما
اليتم فرصة لتطور مهارة الاعتماد على نفسك، وتقلل من اعتمادك على الآخرين. ربما
جهلك بنسبك رسالة إلى الناس، لكي يروا بأعينهم، انتصار الطبيعة الإنسانية المؤمنة،
على كل ظروف اليتم والقهر، وتحديها لكل مشاكل الغربة والجهل بالهوية…
إن الذين يعرفون قدْر أنفسهم، هم الذين يعاملونها بثقة كبيرة، هؤلاء فسحوا المجال
بذكاء، أمام مواهبهم ومهاراتهم، واعترفوا لأنفسهم بحقها في المشاركة في الإبداع
والإنتاج، وأدركوا أنهم يمتلكون قدرات ذاتية، لا يجوز إهدارها في الكسل، أو
الاحتجاج بالواقع والقدَر والظروف الاجتماعية.
إن شعار هؤلاء، أن النجاح هو فعل الرجال، ونحن رجال، فإذن نستطيع أن نكون ناجحين.
يقول عمر بن عبد العزيز ـ رضي الله عنه ـ وهو يعظ ابنه : {
رحم الله، من عرف قدْر نفسه
}.
إن من مظاهر رحمة الله ـ عز وجل ـ بالإنسان، أن يهديه إلى اكتشاف مواهبه الذاتية،
ثم يوفقه إلى حسن استخدامها، فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالخير.
إن اليتيم مجهول الهوية في أشد الحاجة إلى معرفة ما يتمتع به من كفاءات وطاقات
إبداعية وتنميتها، حتى ينجح في إسقاط الاتهامات التي توجه إليه من قِبَل المجتمع،
كاتهامه بالسلبية وفقد مؤهلات النجاح، وكَرمْيه بأنه عالة على المجتمع وعنصر غير
صالح فيه.
إن تقدير نفسك هو تعريف بذاتك، واعتراف بإمكانياتها، فكأنك تقول : هذا أنا، وهذه
صفتي، وتلك مهاراتي... وهذه بداية الناجحين.
فريق العمل في موقع الأيتام
**************
بادر إلى تغيير ما بنفسك
فلسفة النجاح والارتقاء بالنفس لا تركز فقط على تقدير الذات، وتهمل سلبياتها، وإنما
تسعى إلى تخليصها مما يعوق انطلاقها، ويؤثر سلبا على مواهبها، سواء كان ذلك واقعا
فاسدا، أو عادة سيئة مكتسبة، أو سلوكا منحرفا، أو قناعة خاطئة... ومضمون هذه
الفلسفة، هو ما اشتمل عليه مصطلح تغيير النفس، الذي يعتبر نقطة ارتكاز وانطلاق، نحو
إحداث التغيير الشامل في كل مجالات الحياة.
إن الهدف من تغيير النفس، هو الوصول بالذات إلى أقصى درجات التوازن النفسي والتوافق
الاجتماعي. وتغيير النفس يمثل أفضل حالات التعامل معها، إذ يعكس إلى جانب الإحساس
بقيمة الذات، التحكم في مجرى الظروف، والوعي بضرورة حصول التغيير على الدوام، لأن
السنة الشرعية أفادت أن التغيير الناجح في كل شأن، مبدأه نفسي، يقول الله ـ عز وجل
ـ :
{ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }
الرعد.
بداية ينبغي التفريق بين التغيُّر والتغيير، فالأول معناه : ( انتقال الشئ من حالة
إلى أخرى ) التعريفات. وبالتالي فهو عبارة عن تغيرات قهرية، لا قدرة لنا على
تغييرها كحركة النمو في أجسامنا مثلا، وهذا يشبه الإنسان الكسول، الذي يعيش في قبضة
ظروفه عاجزا عن الخروج منها، كأنه ريشة في مهب الريح. والثاني هو : ( إحداث شيء لم
يكن قبله ) التعريفات. وبالتالي فهو فعل بشري اختياري، لإحداث واقع جديد. وهذا هو
المقصود.
خلق الله ـ عز وجل ـ الكون المادي، وجعل فيه قوانين وسننا، يقود التحكم فيها إلى
تسخير الطبيعة لصالحنا. يوازي ذلك كون آخر بداخلنا، هو كوننا النفسي. وهذا الكون
النفسي، له أيضا قوانينه الخاصة التي تحكمه، والتي يؤدي العلم بها، إلى التحكم في
بيئتنا النفسية. يقول ـ عز وجل ـ:
{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم}
فصلت.
وقد أمر سبحانه ـ عز وجل ـ بالنظر في هذه القوانين والسنن الطبيعية والنفسية،
واستقرائها من أجل استخلاص العبرة من خط التغيير الذي عصف بالمجتمعات الأولى، وغير
وجه التاريخ. يقول الله ـ عز وجل ـ:
{قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض}
آل عمران. ففقه هذه القوانين والسنن، يعتبر مطلبا ضروريا لفهم مسيرة الحياة
البشرية، من حين بدايتها إلى أن يأذن الله ـ عز وجل ـ بنهايتها. ولهذا قال ـ عز وجل
ـ:{قد
خلت من قبلكم سنن}
ولم يقل : قد خلت من قبلكم أمم أو أقوام أو...، لأن العبرة بالسنن التي حكمت هذه
الأمم والأقوام...
من سنن هذا الكون الثابتة، سنة التغيير، وهي نعمة كبرى في حياة البشر. لأن دوام
الحال على شاكلة واحدة، يجعله مملاّ، وغير صالح لاستمرار الحياة. ولأن الانتقال من
حال إلى حال، هو الباب الواسع الذي يدخل منه كل من يبحث عن التخلص من الظروف
والأوضاع غير الطبيعية التي نشأ فيها، خاصة التي فرضت عليه، ولم يكن سببا في
وجودها. فالتغيير هو الطريق الأقصر، للخروج من جميع المآزق الذاتية والموضوعية
القائمة. كما أن الرغبة في التغيير إلى الأفضل، شعور كامن في نفس كل أحد، وطموح لا
يمكن أن يستغني عنه أي كائن عاقل. فهو الذي منح الفرصة لكثير من العظماء والناجحين،
وفتح أمامهم دروبا مختلفة من النجاح والارتقاء.
يقول بعض الحكماء أن الإنسان ما هو إلا ( ذكاء تستخدمه أعضاء )، والمعنى طبعا هو أن
مبدأ التغيير الصحيح، هو في توجيه ذكائنا النفسي لاغتنام فرص التغيير، وتحقيق ما هو
الأفضل في التخلص مما يسبب لنا الأذى، سواء كان عادة سيئة أو سلوكا منحرفا أو واقعا
محزنا.
إن المقصود أن من أكبر أسباب الفشل في إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلنا، هو الغباء
في التعامل معها بالبحث عن حلول لها خارج ذواتنا، إنها السذاجة في التعويل على
غيرنا بأن يقدم لنا الحلول الجاهزة لكل شيء !. كما أن الغفلة عن هذا القوة النفسية
والإرادة الذاتية القادرة على قلب الأوضاع من الأسوأ إلى الأحسن، هي السبب في بروز
عوامل الفشل التي تشل عملية التغيير الإيجابي، وتترك الشخص عاجزا أسيرا لواقع محدد
لا يستطيع الإفلات منه.
إن إرادتنا للتغيير والنمو متأصلة، ورغبتنا في تحويل أحلامنا إلى واقع معيش،
متجذرة، لكن البيئة التي نعيش في محيطها، قد تكون من أهم الموانع في حصول هذا
التغيير. ومن هنا قيل : الإنسان ابن بيئته، ومعنى ذلك أنه لا بد أن يخضع لتأثير هذه
البيئة، ولا عجب أن يكون لها ملامح واضحة على شخصيته العامة. وعليه، فتغيير البيئة،
قد يكون أحيانا من أسباب نجاح التغيير، مادامت هذه البيئة مليئة بالرموز
والإيحاءات، التي تذكر بالتجارب الفاشلة، والخبرات السيئة والمواقف المحبطة...
ولكن وجود الإنسان داخل هذه البيئة، لا يعني أنه ظاهرة سلبية، تجمد في الشتاء وتذوب
في الصيف، وإنما هو كائن عاقل فاعل، يستطيع دائما التكيف مع محيطه بشكل أفضل. قد
تكون البيئة غير صالحة، تحكمها أوضاع قاسية تدفع إلى الانحراف مثلا، فهذا يدعوه
مثلا إلى تغيير هذه البيئة إن كان ذلك ممكنا، أو السمو عليها بعدة مهارات، كمحاولة
تغييرها، أو اعتبارها تحديا لانتمائه وولائه لهذا المجتمع، أو التعامل معها كفرصة
لامتحان الإيمان والإرادة، أو السعي إلى توظيف العناصر الإيجابية التي يوفرها له
المجتمع، والاستفادة من ممارسات الخير فيه، مهما كانت ضئيلة.
تمثل البيئة والقناعات الجماعية السائدة فيها، لمجهول الهوية تحديا كبيرا، واختبارا
حقيقيا لشخصيته، فوجوده في بيئة لا تلبي ميوله الفطرية، وبالنظر إلى ظروف اليتم
والحرمان من الحاجات الأساسية، كمن يلقى به في البحر مكتوفا ثم يقال له : إياك أن
تبتل بالماء !. ولهذا فعليه أن يقاوم الغرق وأن يسبح ضد التيار، بل وعليه أن ينقذ
غيره من الغرق، ولا يقل أبدا : أنا الغريق فما خوفي من البلل ؟. ولا يسمح لنفسه أن
يبرر سلوكه السيئ، بفعل الناس أو البيئة من حوله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
[لا تكونوا إمَّعة، تقولون إنْ أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا. ولكنْ وطِّنوا
أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا، فلا تظلموا]
سنن الترمذي.
إن مجهول الهوية أحد المعنيين بهذه النقطة، نظرا إلى الظروف التي تكون قد اكتنفت
طفولته ومراهقته، فلم يتمكن من تكوين صورة واضحة عن نفسه، أو فكرة محددة عن ذاته،
بسبب البيئة التي لم تكن يوما في صالحه، مما يجعله عند نفسه، لغزا يحتاج إلى شرح،
بسبب القناعات الذاتية والاجتماعية، التي تسربت إلى نفسه، وترسبت في لاشعوره. وهذا
يتضح عندما نرجع إلى الواقع، ثم نقارن بين شخصين مجهوليْ النسب، الأول فكرته التي
كونها عن وضعه هي أن حياته لا جدوى منها بلا أب أو أم، وأن وجوده لا معنى له، بدون
أسرة ولا أقارب، ولهذا ترى نظرته يائسة وسلوكه سلبيا فاشلا ومواقفه متذبذبة.
والثاني فكرته عن نفسه، أنه مادام قد مُنح الحياة، فعليه أن يحيا، وهو لم يخلق إلا
لأن دورا ما ينتظره، كما أنه يفضل أن يقال عنه في المستقبل : يتيم ناجح، على أن
يقال عنه : يتيم فاشل. ولهذا تجده مندفعا ومصمما على إثبات ذاته، وانتزاع الاعتبار
من الآخرين. وهذا التفاوت بين الأفكار والتصورات، هو الذي يفسر لنا كيف أن كثيرا من
مجهولي النسب واللقطاء، قد تشابهت ظروفهم، ولكن اختلفت مواقفهم اختلافا كبيرا في
التعاطي مع هذه الظروف. فبعضهم جعل من ظروفه بداية مشاكل له، نفسية وسلوكية
واجتماعية، كانت مانعا له من التفاعل مع المجتمع، والبعض الآخر نجح في تجاوز عقبة
الجهل بالهوية، واندمج في المجتمع مهنيا وتعليميا واجتماعيا...
لقد أصبح من المسلم به أن مركز التغيير الجذري في حياتنا هو نفس ذواتنا، وأن التغير
لا يأتي من الخارج، وإنما ينبع من الداخل النفسي لكل فرد. وهذا عين ما ذهب إليه
القرآن الكريم عندما أعلن أن بداية التغيير في كل شيء، نفسية، وأن تغيير النفس هو
أساس كل تغيير. قال الله ـ عز وجل ـ :
{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
الرعد. ولا تكاد تنتهي من قراءة هذه الآية حتى تكتشف أنها تخاطبك من موقع المسئولية
الذاتية، عن كل ما يجري حولك، وتنسكب معانيها في نفسك لتعمل على تغيير ما بنفسك،
ولسان حالك يقول : أنا لن أتغير ما لم أبدأ بذلك فعلا، ولن يغيرني أحد ما لم أبادرْ
أنا بتغيير ما بنفسي، وإن لم تكن لي رغبة في التغيير، فلن يحصل ذلك مهما فعلت.
ولأن هذه الآية قد نصت على أن أساس التغيير في كل شيء هو النفس، ولأنها ركزت على
البعد النفسي الذي يضع عملية التغيير في مجراها الصحيح، فقد اتخذناها محورا لفهم
بعض شروط التغيير، معولين في ذلك على دقة العبارة القرآنية، وبراعة الأداء اللفظي
المعهود في القرآن الكريم.
1- إن أول ما نلاحظه في الآية هو أن التعبير فيها جاء بالجملة الفعلية التي تفيد
الحدوث والتجدد، وذلك حتى يكون بناء الآية منسجما مع مضمونها، ومع ما تدعو إليه من
التغيير والتجديد من جهة، ولتؤكد على أن التغيير، أمر ممكن للطبيعة البشرية القائمة
على التبدل والتغير من جهة أخرى. وفي هذا حافز كبير للتفكير بجدية في أمر التغيير
وضرورته، وجعله من أولويات الحياة الناجحة.
والملاحظة الثانية، نلمسها في الإتيان بلفظ التغيير دون غيره من الألفاظ المرادفة
له، وذلك لأنه يؤدي معنًى في هذا المقام لا يؤديه غيره. كما يساعدنا في فهم حقيقة
التغيير وعلى أي وجه ينصبّ. فالتغيير في اللغة العربية على وجهين، الأول : عندما
تقول : غيرت الشيء إذا بدلت به غيره. ومنه غيرت ثيابي، ومنه أيضا الغِيار وهو البدل
من كل شيء. والثاني:عندما تقول : غيرت الشيء إذا جعلته على غير ما كان عليه. كقولك
: غيرت داري، إذا بنيتها بناء غير الذي كان. المعجم الوسيط.
هذان المعنيان ينطبقان على التغيير الذي ينبغي أن يحصل في النفس، فنحن نسعى من خلال
تغيير ما بأنفسنا، إما إلى استبدال واقع فاسد بآخر صالح، أو إلى معالجة واقع تداخل
فيه الصلاح والفساد، بإبقاء الصالح، وإصلاح الفاسد.
2- التغيير سنة عامة تستجيب لكل شخص صح منه العزم على تغيير ما بنفسه، بقطع النظر
عن جنسه أو عقيدته. فالتغيير لا يختص بقوم دون قوم. يدل على ذلك لفظة [ قَوْمٍ ]
فهي نكرة تدل على شيء شاع بين أفراد جنسه، وهذا يعني أنه قانون نفسي ينطبق على كل
الناس دون فرق. ولكن الإنسان المسلم أولى من غيره بالتقيد بهذا القانون النفسي،
لأنه أعلم بالسنن من غيره، وفوق ذلك هو مسدد بالشرع في كل أموره، مما يجعل محاولة
التغيير ناجحة لديه.
3- إن الصراع في عملية التغيير لا يكون مع النفس، أي بين الشخص ونفسه، فهذا صراع
مرضي. والله ـ عز وجل ـ لم يقل : حتى يغيروا أنفسهم، ولكنه قال :
{حتى يغيروا ما بأنفسهم}
فالباء التي من معانيها الإلصاق، تفيد أن موضوع التغيير، هو ما التصق بالنفس من
عادات وأخلاق، ومشاعر وسلوك، وما انتقل إليها، من أفكار ومعتقدات... وغير ذلك من
الأحوال النفسية الأخرى التي تضمرها لفظة [ ما ]، في الآية الكريمة.
ونسوق مثالا واضحا على هذا الصراع المرضي مع النفس، وليس مع ما التصق بها من
انحرافات، بواقع الجهل بالهوية مثلا، فمجهول الهوية، لن يستطيع تغيير كونه كذلك
مهما فعَل، ولكن في مقدوره طبعا، أن يكون له دور فاعل في تغيير نظرة المجتمع له،
بهذا الخصوص.
4- في أي عملية للتغيير لا بد من تحديد المحل الذي سينصب عليه جهد التغيير حتى يكون
هذا الجهد مثمرا. وفي الآية الكريمة ما يشير إلى أن التغيير الفعال يبدأ من النفس،
وهذا يعني أن واقعنا في الحقيقة، ما هو إلا انعكاس مباشر لإرادة التغيير التي
نستشعرها داخل أنفسنا. فلابد لحصول التغيير، من إرادة ذاتية. وهذا البعد العميق
أضافه الحرف حتى في قوله ـ عز وجل ـ:
{حتى يغيروا ما بأنفسهم}
فحتى في اللغة تأتي بمعنى كيْ، إذا وقعت قبل المضارع المستقبل، كما في قوله ـ عز
وجل ـ :
{
ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم
}.
فيكون المعنى حينئذ : إن الله ـ عز وجل ـ لم يشأ أن يكون التغيير منه سبحانه ـ عز
وجل ـ ابتداء، لكي يكون هذا حافزا إلى أن يبدأ الناس أولا بالتغيير. وقد صرح بهذا
المعنى الإمام السيوطي قائلا :
( إ نما يجيء التغيير من الناس والتيسير من الله )
الدر المنثور.
5- إن التغيير النفسي سلاح ذو حدين، فقد يكون طريقا إلى الصلاح، كما يكون طريقا إلى
الفساد. وإن كانت الآية السابقة عامة في ذلك، إلا أن هناك آية في القرآن تؤكد زوال
النعم، مرتبط في واقع العباد بتغير حالهم من الشكر إلى الكفر. يقول الله ـ عز وجل
ـ:
{
ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
الأنفال. يقول الثعالبي :
( معنى هذه الآية، إخبار من الله سبحانه، إذا أنعم على قوم نعمة، فإنه بلطفه ورحمته
لا يبدأ بتغييرها وتنكيدها، حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم ).
الجواهر الحسان في تفسير القرآن.
فريق العمل في موقع الأيتام
" نصائح للأسر البديلة المُحتضة "
" الحلول المقترحة لمواجهة مشكلات الأطفال المحرومين "
كثير من الدراسات المتخصصة قد أشارت إلى أن الأطفال المحرومين من الرعاية في أسرهم
الطبيعية، والأسر البديلة يواجهون مشكلات نفسية واجتماعية مختلفة، كما لم تغفل هذه
الدراسات الإشارة إلى بعض الحلول المقترحة لمواجهة هذه المشكلات نلخص بعضا منها في
التالي:
1-
نصح (Duffin, 1978)
الأسر البديلة بإعطاء فرص كافية لنمو علاقتهم بالطفل المحروم بالتدريج وعدم التسرع
في تكوين هذه العلاقة، فهؤلاء الأطفال بحاجة إلى الوقت لتقبل الوضع الجديد والتكيف
معه والإحساس بالانتماء. ونؤكد من جانبنا على أهمية إدراك الوالدين دخولهم في علاقة
جديدة مع طفل يعتبر غريبا عنهم، فكما في جميع العلاقات الإنسانية الأخرى فإن نمو
الثقة المتبادلة، والتعاطف والألفة والشعور بالقرب بحاجة إلى وقت، كما ينبغي على
الوالدين تقبل مشاعر الطفل تجاههم، وتجاه غياب والديه الحقيقيين وعدم إبداء مشاعر
عدم الرضا والغضب
(Everett, 1995).
2-
ولمواجهة المشكلات المرتبطة بتربية الطفل اقترح
(Rosenbaum & Rosenbaum,
1977)
على الوالدين مناقشة الطفل دائما في قضايا التربية وتوضيح أسباب وجهة نظرهم
وتوجيهاتهم، وإبداء مشاعر الاهتمام بالطفل وإشعاره بالأمان، والاتفاق مسبقا على
أسلوب التربية، وعدم الاختلاف باستمرار أمام الطفل في القضايا التربوية، وبمعنى آخر
فإن الصدق مع الطفل وعدم التظاهر يساعد على تجنب كثير من المشكلات
(bloom, 1985).
3-
وأخيرا فإن المرونة والوسطية (عدم القسوة وعدم الدلال الزائد) في التعامل مع الطفل
يمكن أن يجنب الوالدين كثيرا من المشكلات، وإدراك أن الغضب هو شعور طبيعي ينبغي
التعبير عنه والتعامل معه، وأن استشارة المختصين في حالة وقوع المشكلة أمر طبيعي
ولازم في بعض الأحيان للوصول إلى حلول مناسبة تجنب الأسرة تفاقم وتعاظم هذه
المشكلات مما قد يؤثر سلبا على جميع أفرادها.
ولمساعدة الأطفال للتكيف مع الصدمة النفسية
psychological trauma
التي يمرون بها نتيجة انفصالهم عن أسرهم وانتقالهم إلى بيئة جديدة مفروضة عليهم
استخدم (Mayfield &
Neil, 1983)
طريقة التدخل الجماعي
group approach
-والذي يمكن تطبيقه على المستوى الفردي أيضا- لإنجاز الأهداف العلاجية التالية
(LeVine & Sallee, 1986):
1-
محاولة بناء احترام الذات
self-esteem
لدى هؤلاء الأطفال وذلك من خلال مساعدتهم على إدراك جوانب قوتهم وصفاتهم الإيجابية
الخاصة.
2-
تعليم الأطفال مهارات التكيف والاتصال الأساسية ومساعدتهم للبحث عن علاقات وصداقات
ملائمة وتكوينها والمحافظة عليها.
3-
جعلهم قادرين على الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم والتعبير عن أنفسهم وحاجاتهم بطريقة
واضحة وصريحة.
4-
بناء الثقة من خلال تشجيعهم وتعليمهم كيف يتحملون المسؤولية.
5-
التخفيف من مشاعر الذنب لديهم وذلك من خلال مساعدتهم على إدراك أنهم ليسوا السبب
في ما آل إليه حالهم.
من كتاب
الأطفال ذوي الظروف الخاصة
تم عرض هذه الصفحة 353 مره/ مرات

" هذة الزاوية خاصة بذوي الظروف الخاصة ، مساحة حُرة لهم كي يُعبروا عن معاناتهم
وإحباطاتهم كما يرغبون ، وبالشكل الذي يرتاحون له : سواء كتابة ، أو تسجيل صوتي ،
أو حتى صوت وصورة . وصَّل صوتك .. هي واحتكم للمكاشفة ، والفضفة ، والحلم بغد أكثر
أماناً وتقديراً ، فلنتقاسم الألم .. والأمل معاً .
"
|